Mar 10, 2026
ليست معركة على اللغة فحسب - منار زعيتر
منار زعيتر
الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
منار زعيتر

ليست معركة على اللغة فحسب

منار زعيتر

كُتبت هذه الأسطر قبل الحرب الأخيرة على لبنان. ما جرى بعدها لم يُبطل شيئاً مما فيها — بل أكّده. حين تتحول المدن إلى ركام، تصبح حقوق النساء أول ما يُؤجَّل وآخر ما يُستعاد.

في الثامن من مارس من كل عام، يستعد العالم للاحتفال بيوم المرأة. لكنه في هذا العام يأتي وسط مشهد إقليمي خطير. في لبنان، تتعرض منظمات نسوية منذ فترة لهجمات تخوين منّظمة. في مصر، يعود الجدل حول التحرش الجنسي إلى الواجهة. في تونس، تضيق المساحة أمام المدافعات عن حقوق النساء تحت ضغط التراجع الديمقراطي. أما النسويات السوريات السياسيات، فينظمن نشاطهن من بيروت لا من سوريا. وفي فلسطين، تقف المجموعات النسوية عاجزة أمام الإبادة الجماعية التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني. وفي السودان، يُستخدم العنف الجنسي سلاح حرب وسط انهيار كامل لمنظومات الحماية.

مصطلحات مثل "النوع الاجتماعي"، "العنف القائم على النوع الاجتماعي"، "الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية"، "التثقيف الجنسي الشامل"، و"الإجهاض الآمن" تتكرر في تصنيفات وقرارات الأمم المتحدة. في المقابل، تسعى بعض الدول والمنظمات إلى تنقية القانون الدولي من هذه المصطلحات، مستخدمة مراجعة اللغة كأداة للطعن في المعايير الدولية وإضعافها.

«حذف المصطلحات أو تعديلها لا يتعلق بالشكل فقط. اللغة في القانون الدولي تأسيسية: تحدد الالتزامات، وتؤطر التفسيرات، وتساعد في متابعة التنفيذ.»

والأمر ليس حكراً على دول المنطقة. هددت الولايات المتحدة برفض قرار مجلس الأمن 2467 الذي يدين العنف الجنسي ضد المرأة في الحروب، ولم يُمرَّر إلا بعد حذف الإشارات إلى حقوق الناجيات في الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية. وهذا نمط لا استثناء — فقد انضمت لاحقاً إلى ائتلافات دولية وإعلانات تسعى صراحة إلى تنقية وثائق الأمم المتحدة من هذه المصطلحات، بدعوى السيادة الوطنية وحماية الأسرة.

ليست المسألة بكل تأكيد تمسّكاً بمصطلح بعينه. يمكن نقاش أي مصطلح وتطويره — وقد تطورت لغة حقوق الإنسان دائماً. لكن ما يحدث اليوم ليس نقاشاً حول دقة المفاهيم. إنه مسعى سياسي لسحب الأساس القانوني الذي تستند إليه المطالبة بالحقوق. والفارق جوهري.

لكن إذا كان حذف المصطلحات أحد أوجه الهجوم، فإن الوجه الآخر — والأكثر خبثاً — هو اختطاف الخطاب النسوي نفسه باتجاه طرح إطار معياري وثقافي ولغوي بديل. قادة مناهضون للنسوية يتبنون خطاب حقوق المرأة ويعيّنون نساء في مناصب رفيعة، لا لتمكين قيادة نسوية مستقلة، بل لاحتوائها ضمن مشروع السلطة.

في إيطاليا، شدّدت ميلوني على أسلوب قيادتها «الأنثوي» و«الرعائي» بينما تبنت سياسات تُقوّض حقوق النساء عملياً. في البرازيل، عيّن بولسونارو — الذي وُجهت إليه اتهامات بالإساءة للنساء — داماريس ألفيس وزيرة للمرأة والأسرة وحقوق الإنسان، فساهمت في تقويض الوصول إلى الإجهاض حتى في حالة طفلة عمرها عشر سنوات كانت ضحية اعتداء جنسي. في الأرجنتين، عيّن ميلي فيكتوريا فيارويل نائبة له رغم معارضته العلنية للمشاريع النسوية، فعارضت التمثيل الواسع للنساء وحقوق الإجهاض. وفي بولندا، انضمت رئيسة المحكمة الدستورية عام 2020 إلى قرار قيّد قانون الإجهاض المقيّد أصلاً.

والمنطقة العربية ليست بمعزل عن هذه الموجة — بل هي أحد مسارحها الأكثر تعقيداً، حيث تُشكّل المنطقة العربية حالة كلاسيكية لـ«اختطاف الخطاب». تتبنى حكومات عربية عديدة خطاباً رسمياً حول «تمكين المرأة» مرتبطاً برؤى التحديث الاقتصادي. ودول الخليج هي النموذج الأبرز لهذا التوجه، بالتركيز على المشاركة الاقتصادية للنساء، مع رسم خطوط واضحة أمام أي تعديل يطال مسائل الأسرة، والعنف الجنسي، والحقوق الجنسية والإنجابية. لكن ما يميز الحالة في كل المنطقة هو أن «اختطاف الخطاب» لا يأتي فقط من جهة رسمية بل من مؤسسات دينية ومنظومات قانونية وثقافية واجتماعية تمنح التمييز والعنف غطاءً شرعياً. وهذا يجعل المعركة على الكلمات أكثر حدة: فحين يُرفض مصطلح «النوع الاجتماعي» في نيويورك أو جنيف، فإن أثره يتضاعف في دول المنطقة، حيث يُستخدم هذا الرفض الدولي حجة إضافية لإغلاق النقاش المحلي، ولتبرير الهجوم على قضايا النساء. وحين يُستخدم قبل سنوات مصطلح " النوع الاجتماعي". المفارقة أن دولاً عدة في المنطقة استخدمت مصطلح "النوع الاجتماعي" لسنوات — طوّرت استراتيجيات وطنية تحمل عنوانه، وأنشأت لجاناً ومؤسسات تعمل تحت مظلته — قبل أن تنقلب عليه في لحظة تطرح استفهامات عدة.

في هذا السياق — حيث أسهمت ظروف بنيوية طويلة الأمد وترهّل قوة القانون الدولي في خلق بيئة مواتية لمقاومة خطاب حقوق النساء — لا يمكن التفكير في الهجمات المضادة للمساواة بين الجنسين بوصفها معركة على اللغة فحسب. إنها صراع على الديمقراطية وقيم ومبادىء حقوق الانسان.

مع الـتأكيد على أن نقاش المصلحات لا يعني كذلك الجمود عندها. وإذا كانت المعركة تدور حول الكلمات، فإن السؤال الذي يجب أن تطرحه الحركة النسوية على نفسها ليس فقط: كيف نحمي المصطلحات القائمة؟ بل أيضاً: هل لغتنا الحالية كافية لوصف ما نعيشه؟ هذا لا يعني رفضها — فهي تحمل مكتسبات حقيقية — لكنه يعني أن التمسك بها دون مراجعة قد يُفقدنا القدرة على مخاطبة من نحتاج أن نصل إليهن. هذا نقاش آخر يحتاج مساحته الخاصة.

في الثامن من مارس، ستُنشر البيانات وتُلقى الخطابات. لكن الاحتفال الحقيقي بحقوق النساء لا يكون في ما نقوله يوماً واحداً في السنة، بل في الإصرار على ألا يُمحى من الخطاب ما يشكل جوهر الحقوق في كل الأيام.

احدث المنشورات
Mar 10, 2026
بين الذاكرة النضالية وأسئلة اللحظة الراهنة - بشرى بلحاج حميدة
Mar 10, 2026
الحالة الاقتصادية والاجتماعية للنساء العاملات في الزراعة في ريف مصر - عبدالمولى إسماعيل