هل قبلت نساء سورية أن تكون في الصفوف الخلفية
لم تنتظر السوريات أن تقدم لهن الحقوق والمكتسبات على طبق من ذهب، لكن السياق اليوم وبرغم عدم المبالغة في التوقعات جاء صادماً، أقل من خمسة بالمئة هي نسبة تمثيل النساء سواء في الحكومة السورية أو في المجلس التشريعي، نسبة متواضعة تثير القلق حول حقوق النساء بشكل عام والحقوق السياسية خاصة، في بلد كان لها الأولوية عربياً في منح حق التصويت للنساء عام ١٩٤٩.
برغم الفجوة الكبيرة في الحقوق والتمثيل والقدرة على اتخاذ القرار بين الرجال والنساء، وفي ظل الظروف القاسية التي مر بها الشعب السوري، كان دور النساء محورياً على المستوى المجتمعي والسياسي وتعرضت الآلاف منهن للقتل والتهجير والاعتقال، لم توفر السوريات جهداً في العمل أو المناصرة والتفاوض لانتزاع دورهن، لكننا اليوم نقف جميعاً أمام تحدٍ مصيري يتجلى في تراجع عالمي عن قيم الديموقراطية وحقوق الإنسان، ومن ضمنها حقوق النساء، حيث بينت هيومن رايتس ووتش في تقريرها السنوي لعام ٢٠٢٦ أن ٧٢ ٪ من سكان العالم اليوم يعيشون في ظل أنظمة استبدادية، وترافق هذا التراجع مع سياسة الإدارة الأميركية التي عبرت بشكل واضح عن ازدراء الحقوق الإنسانية، سواء من خلال التصريحات الرسمية أو الانسحاب من مجلس حقوق الإنسان ومنظمة الصحة العالمية وغيرها من الهياكل والهيئات التي شكلت ضمير العالم بعد الحرب العالمية الثانية.
ومن أهم انعكاسات هذا النكوص العالمي، الأثر المباشر على حقوق المرأة، باعتبارها من الفئات الأكثر هشاشة، بالإضافة إلى هيمنة الفكر اليميني المتطرف المناهض لحقوق النساء على الكثير من دول العالم، وتلقيه الدعم من قبل القوى الاقتصادية العالمية، مع انكفاء الدول الأوروبية وتمريرها لتلك التوجهات استرضاءً للإدارة الأميركية أو خشية منها.
ازداد التضييق على حقوق النساء في سورية لعدة أسباب، منها الموروث الاجتماعي والثقافي في المجتمع السوري والذي يغلب عليه الطابع الذكوري، ومنها السياسات الرسمية وغير الرسمية التي اتبعت مع بداية المرحلة الانتقالية و غذت الأفكار الأبوية، حيث ظهر التركيز من قبل السلطات السورية على ما سمي لاحقاً بمجالس الاعيان والوجهاء لحل الخلافات المحلية والتشاور حول إدارة المناطق، كمنطلق للتنسيق والتعاون بين الحكومة الجديدة والمجتمعات المحلية والمدن، فتم حصر التواصل في نقاش القضايا المجتمعية والسياسية مع تلك المجالس التي تركز في تشكيلها على الرجال والفاعلين في المؤسسات الدينية على اختلاف المذاهب والأديان، ومن المعروف أن تمثيل النساء في تلك الهياكل ضعيف، بل يمكن القول أنه معدوم، ما اعتبرته النساء بداية لمرحلة خطيرة من الإقصاء ووأدٌ لفكرة وجودهن في المشهد السياسي.
ومع تزايد الشعور بالإقصاء، وظهور النتائج المقلقة للانتخابات والتعيينات الحكومية، حتى بالنسبة للنساء اللواتي ناصرن التوجهات المحافظة والمتحفظة على مفاهيم النسوية والمساواة، تعالت أصوات السوريات من مختلف الانتماءات والتوجهات للحصول على تمثيل أفضل لهن، لكن هذه المطالبات قوبلت بالتجاهل من قبل اللجان والهيئات التي شكلت في المحليات، وعُززت تلك التوجهات مركزياً من خلال الخطاب الرسمي للعديد من المسؤولين السوريين حول الاعمال المتناسبة مع كينونة المرأة ومع ما سمي بالنموذج السوري لدورها، بالإضافة إلى تفاقم المخاوف المتعلقة بالوضع الأمني والسياسي، وتحول مسألة إقصاء النساء إلى نهج وخلل بنيوي يستبعد حقوقهن من أجندة الأولويات، ليتراجع النضال من مطالبات بشغل مواقع فاعلة في صنع القرار، ومن طموحات كبيرة تتعلق بالمشاركة وبناء السلام إلى مفاوضات جدية حول الدور بحد ذاته ومشروعية القيام به، بل وأحقية النساء ببعض الحقوق الأساسية والحريات الشخصية.
أما الإعلان الدستوري السوري فقد كان أكثر إيجابية، حيث كفل حق المرأة بالتعليم والعمل والحقوق السياسية بنص صريح، بالإضافة إلى اعتبار جميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات والاتفاقيات والمواثيق الدولية التي وقعت عليها سورية جزء من الإعلان الدستوري ويجب احترامها، لكنه وفي مواد أخرى قيد حقوق النساء بشكل غير مباشر، فالتركيز على الدور المحوري للمرأة في الأسرة والمجتمع، واعتبار الفقه الإسلامي المصدر الرئيس للتشريع، يجعل الالتزام بالمواد التي تكفل الحقوق السياسية بالذات مقيداً بالضوابط الشرعية والمجتمعية، والتي نادراً ما تعترف للنساء بحقوق تتعلق بالمشاركة السياسية على قدم المساواة مع الرجل، فمفهوم الولاية على سبيل المثال يقيد حق المرأة بتقلد بعض المناصب، كما أن الخلافات حول تلك المفاهيم قد تعطل الكثير من القوانين الداعمة للمساواة، وما يعزز تلك التوقعات التوجه العام للقرارات اللاحقة لصدور الإعلان الدستوري ومنها قرار منع الموظفات من وضع مستحضرات التجميل أثناء العمل في اللاذقية والذي اعتبر افتتاحية للتضييق على الحريات الشخصية للمرأة.
هل توقف نضال النسويات أم تغيرت أولوياتهن.
برغم التركيز الكبير في السنوات الأخيرة على قضايا حقوق المرأة ودعم مشاركتها في صناعة القرار، وبرغم المساعي الكبيرة التي وُجهت نحو سورية لتمكين النساء وتعديل القوانين التمييزية والالتزام بالاتفاقيات الدولية الضامنة للمساواة والعدالة، إلا أن صوت المنظمات والفاعلين في هذا الإطار اختفى أو بات ضعيفاً بالمقارنة مع صوت السلاح والعنف وانتشار التوجهات المتحفظة على وجود المرأة في المجال السياسي.
نعاني اليوم من مخاطر متعددة، منها ما يهدد كل السوريين والسوريات، ومنها ما هو موجه بشكل مباشر ضد النساء، فبالإضافة للوضع الأمني المتردي وانتشار اشكال مختلفة من العنف، عانت نساء سورية وما زلن من استخدامهن كأسلحة حرب لإهانة الطرف الآخر وإذلاله، فمورست ضدهن جرائم خطيرة كالاختطاف والإذلال والتمثيل بالجثث والعنف الجنسي على اختلاف أشكاله، ناهيك عن خطاب التحريض على وسائل التواصل الاجتماعي الذي يوجه اليوم ضد الناشطات في معرض انتقادهن السياسات والقوانين، حيث يتحول هذا التحريض في أي وقت إلى عنف مباشر يهددهن وعائلاتهن.
أما الأعباء المجتمعية والدور الرعوي الموكل للمرأة تاريخياً، فهو الملف الذي لا يقبل أحد منافستها عليه، فالنساء لم يتمكن من تغيير أدوارهن برغم النضالات الطويلة، بل ازدادت الأدوار التي يقمن بها مع المحافظة على المهام التقليدية، وهذا يعيق بشكل كبير قدرتهن على العمل بحرية ويضاعف الأعباء المفروضة عليهن مجتمعياً وأسرياً، وفي هذا السياق، مارست العديد من المنظمات خلال الأعوام السابقة نهجاً في التمكين، لم يستطع أن يعزز قدرة النساء على كسر القوالب النمطية في مجتمعاتهن، ولم يتمكن من تهيئة بيئة داعمة لعملهن ومشاركتهن بالشأن العام، فاقتصر الأثر على دخول المرأة إلى سوق العمل لتساهم في إعالة أسرتها دون الاعتراف بحقها المتساوي مع الرجل باتخاذ القرارات حتى ضمن الأسرة، بينما استطاعت منظمات أخرى اتباع خطط مكنت السوريات من امتلاك مفاتيح التخطيط والإدارة والقيادة، فظهرن بشكل فاعل ضمن منظمات المجتمع المدني، النشاط السياسي وريادة الأعمال، وهذا يعطي مؤشراً بأن العمل المستمر على دعم حقوق المرأة والالتزام بمواصلة العطاء، هو التزام جدي وأنساني لا بد من المثابرة عليه للوصول إلى عدالة أكبر، كما أن التخلي عن برامج الحماية الموجهة للنساء، يجب أن يجابه بالإصرار على الدعم، والتخطيط بالشراكة مع السوريات لمواجهة تلك التحديات، لأن تراجع قيم النظام العالمي لا يعني نهاية القضية، بل يعني الحاجة لمزيد من النضالات لتصحيح المسار.
في تجمع كبير لمئات النساء السوريات للحوار حول أهمية دور المرأة والآليات والضمانات التي تكفل حقوقها في التمكين والمشاركة في بناء السلام، وخلال إلقاء كلمة لأحد المسؤولين، قدم الشكر للنساء لأنهن قبلن أن يدعمن الرجال من الصفوف الخلفية، البعض صمتن، والبعض امتعضن، لكن سيدة وقفت لتقول بأعلى صوتها: لا لم نقبل ان نكون في الصفوف الخلفية، ولن نقبل، كنا نقود السفن وسنبقى، وكنا في وجه النار وسنبقى، والضحايا والناجيات من النساء تشهد.
احدث المنشورات
أفخاخ شديدة الانتظام: عن قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية في ليبيا - غدي كفالة