Jul 28, 2021
التنمية، الدولة، ودور قطاع الأعمال: طروحات من أجل التقدم نحو أطر المساءلة الفعالة

التنمية، الدولة، ودور قطاع الأعمال: طروحات من أجل التقدم نحو  أطر المساءلة الفعالة -  تحميل التقرير الكامل

كنده محمدية - مستشارة قانونية وباحثة أولى في مكتب شبكة العالم الثالث في جنيف



المقدمة



يلعب قطاع الأعمال والاستثمار الأجنبي المباشر دورًا حاسمًا في النمو الاقتصادي والمسارات التنموية. قد تكون هذه العبارة عصية على النقد، فهي تشكّل جزءًا من السرد السائد المرتبط بأجندة 2030 للتنمية المستدامة. ومع ذلك، فإن الترابط الإيجابي بين تعزيز دور قطاع الأعمال وزيادة كمية الاستثمارات، من جهة، واكتساب قيمة مضافة من ناحية التنمية المستدامة، من جهة أخرى، لن يأتي نتيجة اعتماد مبدأ عدم التدخل Laissez Faire، بل يستلزم تدخل الدولة بشكل مُتعمَّد في شتى مستويات السياسات العامة والأطر القانونية، بغية تنشيط هذه الروابط بطريقة ديناميكية. ويتطلّب جزء من هذا التدخل بناء إطار عمل لمساءلة قطاع الأعمال يوضح الحد الأدنى من مسؤولياته بالإضافة إلى تحديد المسؤوليات في حال وجود انتهاكات.



ان لقصة دور قطاع الأعمال في المجتمع ومساءلته ارتباطات عضوية مع قصة دور الدولة. فالدول هي مَن يمنح قطاع الأعمال حقوقه وامتيازاته، من خلال اعتماد مختلف السياسات والقرارات القانونية ووضع الأطر التشريعية، والدول هي التي يمكنها تصميم إطار مساءلة ملائم ومتماسك فعلًا مع الدور المتغير لقطاع الأعمال في مجال التنمية. هذه هي الفرضية الأساسية لهذا الورقة والتي سيتم معالجتها في الأقسام التالية.



تناقش هذه الورقة مقاربات اطر المساءلة في سياق الدور المتزايد لمؤسسات قطاع الأعمال في المجال العام وضمن المسارات التنموية. وهذا الدور المتزايد ناتج عن موجة خصخصة الوظائف العامة التقليدية، مثل التعليم والخدمات الصحية وخطط التقاعد، برزت أحدث ظواهره في الشراكات بين القطاعين العام والخاص التي يتم الترويج لها واستخدامها لتوسيع دور القطاع الخاص، بما في ذلك الشركات المتعددة الجنسيات، لتحقيق مشاريع متعلّقة بأهداف التنمية المستدامة، ومن ضمنها مشاريع البنية التحتية والخدمات العامة الكبيرة،  وهو أمر تدعمه الافتراضية بأن المال العام لا يكفي وأن الطريقة الوحيدة لتحقيق أهداف التنمية هي من خلال تعزيز دور المال الخاص.



تتوجه خطة عمل أديس أبابا بشأن تمويل التنمية المستدامة لعام 2015 إلى الدول والقطاع الخاص على حد سواء، فهي تدعو القطاع الخاص إلى اعتماد مبادئ عمل واستثمار مسؤولَين والانخراط كشريك في عملية التنمية والاستثمار في المجالات الحيوية للتنمية المستدامة، كما تُلزم الحكومات بتعزيز الأطر التنظيمية ووضع السياسات لتحسين مواءمة حوافز القطاع الخاص مع الأهداف العامة ولتشجيع القطاع الخاص على تبني الممارسات المستدامة وتعزيز الاستثمار طويل الأمد.



وأشار تقرير الاستثمار العالمي لعام 2014 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)،      إلى أنه "وحسب مستويات الاستثمار الحالية في القطاعات المرتبطة بأهداف التنمية المستدامة، تواجه البلدان النامية وحدها فجوة سنوية تبلغ 2.5 تريليون دولار. وللأموال العامة في البلدان النامية، وخصوصًا في البلدان الأقل نموًا والاقتصادات الضعيفة الأخرى، دور مركزي في الاستثمار في أهداف التنمية المستدامة. غير أنها لا تستطيع تلبية جميع المتطلبات من الموارد المتصلة بهذه الأهداف، وبالتالي لا يمكن الاستغناء عن دور استثمارات القطاع الخاص في هذا المجال."  بالنسبة لمجموعة الشركات في مجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة (World Business Council for Sustainable Development )، "يمكن لقطاع الأعمال لعب دور أوسع كمصدر أساسي للتمويل فيما يتعلّق بتحرير الخمسة إلى السبعة تريليونات دولار للاستثمارات سنويًا التي قدّرتها الأمم المتحدة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول العام 2030." 



من المتوقع أن يزداد التركيز على دور القطاع الخاص في العمليات التنموية نظرًا للآثار الشديدة لجائحة كوفيد والأزمات المرتبطة بها على الحيز المالي للعديد من الحكومات وعلى أدوات صنع السياسات ذات الصلة، ولا سيما في البلدان النامية، بما في ذلك البلدان العربية. فقد شهدت معظم البلدان المتوسطة الدخل في المنطقة العربية انخفاضًا حادًا في عائدات السياحة والتحويلات والتجارة والأنشطة الاقتصادية العامة ، مما حد من حيزها المالي وقدرتها على الاستجابة من خلال حزم التحفيز التي لجأت إليها الدول المتقدمة بشدة من أجل مواجهة هذه الازمة  وتداعيات جائحة كوفيد. وبالمثل، تواجه البلدان الغنية بالنفط في المنطقة العربية قيودًا متزايدة بسبب التغيرات في الطلب على النفط وأسعاره، الأمر الذي يعد مشكلة هيكلية على المدى الطويل . بالإضافة إلى ذلك، شهدت أقل البلدان نموا والبلدان المتضررة من النزاعات في المنطقة تضاؤل قدراتها المحدودة أصلا . وفقًا للتوقعات الاقتصادية الإقليمية لصندوق النقد الدولي (IMF) لعام 2020، من المتوقع أن ينكمش اقتصاد المنطقة بنسبة 5.7 في المائة، مع توقع انكماش اقتصادات بعض بلدان الصراع بنسبة تصل إلى 13 في المائة، وهو ما يمثل خسارة إجمالية تساوي 152 مليار دولار . وهذا يترجم إلى ما يقدر بنحو 14.3 مليون شخص أصبحوا فقراء، مما يرفع المجموع إلى أكثر من 115 مليون شخص يعيشون في فقر في الدول العربية، أو حوالي ربع إجمالي السكان في المنطقة العربية . علاوة على ذلك ، تشير التقديرات إلى أن خسائر الوظائف قد وصلت إلى حوالي 17 مليون وظيفة بدوام كامل خلال الربع الثاني من عام ٢٠٢٠  .



في الوقت ذاته، غالبًا ما يُفترض أن "القطاع الخاص النابض بالحياة يحتاج لجذب الشركات العالمية من خلال ضمان البيئة المواتية للاستثمار الأجنبي المباشر."  وفي كثير من الأحيان، يتم ربط خلق "البيئة التمكينية" بتقليص دور الدولة، التي، ونظرًا لالتزاماتها الاقتصادية الدولية، ما فتئت تتخلى بشكل متزايد عن الأدوات التي تحتاجها من أجل تحفيز الروابط الدينامية الإيجابية بين الاستثمارات والتنمية المستدامة. لكن، غالبًا ما ترددت الدول في تصميم إطار للمساءلة بموجب أطر تشريعية محلية توضّح توقعاتها من قطاع الأعمال وتضع آليات لمحاسبة المخالفين، مما أسفر عن زيادة حالات إفلات الشركات من العقاب على الممارسات السيئة وانتهاكات حقوق الإنسان.



إضافة إلى ذلك، ونظرًا لتصنيف الدول العربية عادة  "كاقتصادات هشة" أو "اقتصادات متأثرة بالصراعات"،  فهي غالبًا ما تُنصح بالتعويض عن المخاطر التي يواجهها المستثمرون في مثل هذه السياقات من خلال "تعزيز أطر سياسات الاستثمار."  وعادة ما تكون هذه هي الكلمات المفاتيح لدعوة البلدان للالتزام بإطار قانوني وطني ودولي يتبع ما يعتبر "معايير عالية لحماية المستثمرين"، بما في ذلك "ضمانات للمستثمرين، وهي: توفير تعويض عادل ومنصف في حال المصادرة؛ وتأمين معاملة عادلة ومنصفة للاستثمارات الأجنبية؛ وعدم المساس بالقانون؛ ضمان تحويل الأموال والحق في إعادة توطين الأرباح وتصفية الاستثمارات؛ أو الوصول إلى تسوية دولية للنزاعات الاستثمارية."  بيد أن هذا النوع من الإطار القانوني لا ينظر عادة في القضايا المتعلقة بمسؤوليات ومساءلة الشركات والمستثمرين، وفي كثير من الحالات، يفرض قيود على المساحة التنظيمية والأدوات الحكومية اللازمة لمساءلة مؤسسات الأعمال.



ضمن السياق أعلاه، تناقش هذه الورقة دور قطاع الأعمال في المساهمة في تحقيق التنمية المستدامة والتعاون الإنمائي وأطر المساءلة ذات الصلة. ويشتمل مفهوم التنمية المستدامة، كما هو مستخدم هنا، مجمل التحولات التي يفترض أن تسعى      إليها      الدول، ولا سيما البلدان النامية، بما في ذلك التصنيع في سياق الثورة الرقمية والتحولات الإيكولوجية التي يمكنها التكيّف والتخفيف من الآثار السلبية في ضوء أزمة المناخ، ومواجهة تحدي اللامساواة بما في ذلك اللامساواة بين الجنسين. تشمل المقاربة المعتمدة لمفهوم المساءلة في هذه الورقة المساءلة القانونية بموجب الأطر التشريعية المعمول بها ، كما يشمل القيمة المضافة للقطاع الخاص على الجبهة التنموية.



تستهل الورقة بلمحة عن اتجاهات عامة في ممارسات مؤسسات الأعمال والتوترات التي تنتجها فيما يتعلق بالتنمية المستدامة، خاصة فيما يتعلق بالسردية حول "الغرض المؤسسي" للشركات الآخذة بالانتشار وكيفية تفاعلها أو تأثيرها على التفكير بدور الدولة فيما يتعلق بمساءلة الأعمال. من ثم تنتقل الورقة الى إعطاء نظرة عامة على المحاولات السابقة والجارية لتصميم إطار تنظيمي ومساءلة مؤسسات  قطاع الأعمال      على المستوى الدولي. 



يقدم الجزء الثالث من الورقة طرح لمقاربة ممكنة لإطار مساءلة القطاع الخاص، لا سيما عند قيامه بأدوار تنموية، ينبع هذا القسم من الأفكار الواردة في الفصل الأول من هذا الكتاب بعنوان "القطاع الخاص وتحدي التنمية في المنطقة العربية: دور ناشئ وغياب آليات المساءلة".  



أمّا القسم الأخير قبل الاستنتاجات فيناقش أدوات السياسة المتاحة للدولة من اجل التقدم باتجاه التوازن ما بين حقوق وواجبات الشركات والمستثمرين والطرق بما في ذلك مقاربة التعهدات التعاقدية والقوانين المتعلقة بقطاع الأعمال، والاستثمارات والالتزامات الدولية في مجال التجارة والاستثمار، قوانين الشركات، بالإضافة الى الالتزامات في مجال حقوق الانسان.




تناقش هذه الورقة دور مؤسسات الأعمال بشكل عام، ولا تنحصر في الشكل القانوني للمؤسسات أو الشركات التجارية (corporations)، لكنها تركّز في أجزاء منها على أدوار الشركات      ومسؤولياتها، خاصة وان الشركات الكبرى هي الأكثر تأثيرًا اليوم ، والتي غالبًا ما يمتد تأثيرها الاقتصادي إلى المجالين السياسي والتنموي.



التنمية، الدولة، ودور قطاع الأعمال: طروحات من أجل التقدم نحو  أطر المساءلة الفعالة -  تحميل التقرير الكامل

كنده محمدية - مستشارة قانونية وباحثة أولى في مكتب شبكة العالم الثالث في جنيف



إن هذا البحث هو جزء من الراصد العربي ٢٠٢١