Jan 13, 2026
جيل "212" المغربي: ملحمة الإصلاح بين غرف ديسكورد وواقع الشارع - محمد أمين العمراني

جيل "212" المغربي: ملحمة الإصلاح بين غرف ديسكورد وواقع الشارع - محمد أمين العمراني


في قراءة متأنية لأحداث عامي 2024 و2025 في المغرب، نجد أننا أمام تحول اجتماعي غير مسبوق يقوده جيل طامح للإصلاح، للمطالبة بحقوقه وتحسين أوضاعه. هذا الجيل (Gen Z 212) أثبت أنه لا يكتفي بالمشاهدة، بل يمتلك القدرة على تنظيم نفسه رقمياً وميدانياً حول القضايا الأساسية: التعليم، الصحة، والشغل، مؤكداً أن هدفه ليس المساس بثوابت النظام، بل الارتقاء بمؤسسات الدولة لتواكب تطلعاته.

الشرارة: مأساة أكادير ودروس النيبال

لم يكن الحراك وليد الصدفة، بل كان انفجاراً لغضب تراكم بسبب تدهور الخدمات الصحية. كانت الفاجعة التي هزت مدينة أكادير بوفاة 11 امرأة في شهر واحد داخل أقسام الولادة هي الشرارة التي أشعلت الفتيل. في تلك اللحظة، قارن الشباب المغربي واقعه بما حدث في النيبال، حيث قاد الشباب هناك حراكاً غير مسبوق مسّ السياسات العامة، مستعملين التكنولوجيا كأداة للمطالبة بالتغيير والإصلاح.


الميدان والرقمية: يوم التدخل الأمني العنيف

تجاوز الشباب حدود العالم الافتراضي (ديسكورد وتلغرام) لينزلوا إلى الشارع. في يوم الاحتجاجات الكبرى، سُجل عنف أمني مفرط، وأسفرت المواجهات عن اعتقال ما بين 130 إلى 150 شخصاً. كما واجه المتظاهرون تدخلاً عنيفاً، شمل إنزالاً قوياً طال العديد من الصحفيين والنشطاء الحقوقيين والمدنيين. غير أن هذا المشهد لم يمر في صمت؛ فقد نزل صحفيون ونشطاء إلى الميدان ليس فقط للتغطية، بل لمساندة الشباب المعتقلين والمطالبة بإطلاق سراحهم. هذا التضامن الواسع شكّل درعاً حقوقياً في الأيام التالية، وساد نوع من الاحتواء بدلاً من المواجهة المباشرة، مع تراجع تدريجي في حدة التدخلات الأمنية.


"الثورة الطبية": نموذج للنجاح تحت الضغط

بالتوازي مع اعتقالات الشوارع، خاض طلبة الطب معركة "النفس الطويل" عبر مقاطعة شاملة للامتحانات، رفضاً لقرارات تمس جودة التكوين. هذا الصمود، المدعوم باحتضان حقوقي ونقابي، قاد في النهاية إلى ما يمكن وصفه بـ"ثورة ناعمة"، حيث انتزع الطلبة حقوقهم دون الانجرار إلى العنف، محققين نصراً معنوياً كبيراً.


الاستجابة غير المباشرة: الدولة تعيد ترتيب الأولويات

أدركت الحكومة المغربية أن المقاربة الأمنية وحدها لن تعالج أزمة الثقة، فجاء رد الفعل غير مباشر عبر تغييرات وسياسات عمومية:

  1. تغيير هيكلي في المنظومة الصحية: تسريع إصلاح المستشفيات الجهوية لتجنب تكرار مآسي مثل فاجعة أكادير.

  2. الاستثمار في العقل: تسجيل زيادة تاريخية في ميزانية التعليم 2024–2025 استجابة لمطالب الشباب.

  3. تحسين قنوات الحوار: إطلاق برامج اجتماعية لامتصاص غضب الشباب وإدماجهم في سوق الشغل.


الخلاصة: جيل يريد الإصلاح لا "الفوضى"

أحداث 2024–2025 أثبتت أن جيل "زد" المغربي ليس جيلاً فوضوياً، بل يسعى إلى إصلاح هادف. فرغم البداية العنيفة التي اتسمت بمواجهات واعتقالات، ظل الشباب واضحين في رسالتهم: نريد دولة اجتماعية تحترم مواطنتنا. وقد نجح هذا الجيل في فرض التعليم والصحة كأولويات على الأجندة الوطنية، مؤكداً أن حبه للوطن يمر عبر الرغبة في إصلاح مؤسساته.



تنويه:

الآراء والأفكار الواردة فيه تعبّر عن رأي الكاتب/ة فقط، ولا تعبّر بالضرورة عن الموقف الرسمي للشبكة (ANND).

احدث المنشورات
Jan 13, 2026
بين الحروب والأزمات: قراءة في المشهد العربي 2025 ومسار التنمية المستقبلية - زياد عبد الصمد
Jan 13, 2026
2025، عام نهاية جدوى مفاوضات المناخ وانقاذه… وبداية مرحلة جديدة قاتمة - حبيب معلوف