من مقاعد الحضور إلى مواقع التأثير: الشباب العربي والمناصرة من أجل العدالة المائية
أحمد بالي
حين تصبح أزمة المياه قضية حقوق وعدالة
في منطقة تُعدّ من الأكثر جفافًا وندرةً في المياه عالميًا، ومن الأشد تعرضًا لآثار التغير المناخي والحروب والنزاعات والهجرات القسرية، تعيش شعوب فوق أرض غنية بما تختزنه في باطنها من ثروات، لكنها فقيرة بما يتوافر فوق سطحها من مياه آمنة ومستدامة. وتزداد هشاشة المنطقة لأن نحو ثلثي موارد المياه العذبة فيها مشتركة وعابرة للحدود، فلا تملك دولها السيطرة المنفردة عليها.
الندرة، على قسوتها، لا تفسر وحدها لماذا تصل المياه بانتظام إلى منطقة وتنقطع عن أخرى، أو لماذا تدفع أسرة محدودة الدخل كلفة أعلى للحصول على كمية أقل. لذلك يصعب الحديث عن المياه في المنطقة العربية بوصفها موردًا طبيعيًا محدودًا فقط؛ فنحن أمام قضية حقوق وعدالة وحوكمة، لا مجرد معادلة بين العرض والطلب.
بالإضافة إلى أنه تختلف ملامح الأزمة من بلد عربي إلى آخر؛ ففي مكان تتفاقم آثار الجفاف والارتفاع المتواصل في درجات الحرارة، وفي آخر تتداخل الأزمة مع الاحتلال أو تدمير البنية التحتية أو النزوح. وفي بلدان أخرى، توجد تشريعات وسياسات جيدة على الورق، لكن الفجوة تظل واسعة عند التنفيذ والمساءلة.
لذلك، حين نسأل عن الحق في المياه، فنحن نسأل أيضًا: من يحدد الأولويات؟ ومن يملك البيانات؟ ومن يتحمل كلفة القرارات حين تفشل؟
ويزداد هذا السؤال إلحاحًا مع توسع مشاركة القطاع الخاص في بعض خدمات المياه، وارتفاع الكلفة التي تتحملها الأسر عندما يعجز النظام العام عن توفير خدمة منتظمة وآمنة.
ولا أرى أن النقاش يجب أن يتحول إلى موقف مبسط مع الخصخصة أو ضدها؛ لكن ينبغي ألا تضيع نقطة الأساس: المياه حق عام، وأي نموذج لإدارتها يجب أن يُقاس بقدرته على ضمان الوصول العادل، لا بكفاءته المالية وحدها.
فعندما تضطر أسرة فقيرة إلى شراء المياه بسعر أعلى من أسرة تصلها الشبكة بانتظام، تصبح القدرة على الدفع عاملًا في تحديد من يحصل على حقه. وهنا لا تعود المسألة تقنية فحسب، بل تصبح سياسية وأخلاقية أيضًا.
«المياه حق عام، وأي نموذج لإدارتها يجب أن يُقاس بقدرته على ضمان الوصول العادل، لا بكفاءته المالية وحدها.»
الشباب بين التأثر بالأزمة والمشاركة الرمزية
يعيش الشباب اليوم نتائج القرارات المائية والمناخية اليوم، وسيحملون القسم الأكبر من آثارها في المستقبل. ولديهم فعلًا ما يمكن أن يقدموه بعيدًا عن كونهم جمهورًا لحملات توعية فقط: البحث، والرصد المجتمعي، والوصول إلى الناس، والقدرة على استخدام المنصات الرقمية، وربط تجارب بلدان مختلفة بقضية عربية مشتركة.
لكن تجربتنا خلال السنوات الماضية تقول شيئًا آخر أيضًا. كثيرًا ما يُدعى الشباب بعد أن تكون الأولويات قد حُسمت، فيقدمون مداخلات قصيرة، ويشاركون في حملة، ثم تنتهي مشاركتهم مع انتهاء الفعالية.
وقد كتبت قبل عامين منتقدًا هذا النوع من الحضور الذي يمنح الشباب مقعدًا ولا يمنحهم أثرًا. وما أراه اليوم، بعد تجربة أوسع في قطاع المياه وفي العمل الشبابي، أن المشكلة تكمن في بنية تطلب من الشباب الحشد والتطوع، ولا تتيح لهم دائمًا البيانات أو الموارد أو طريقًا واضحًا لمتابعة ما اقترحوه.
نحو عقد مائي عادل: تجربة لا تزال قيد الاختبار
من هنا جاءت مبادرة «نحو عقد مائي عادل: مقاربة شبابية عربية للحق في المياه»، التي طورتها شبكة الشباب العربي بالتعاون مع شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية.
حاولنا أن ننقل نتائج تقرير الراصد العربي 2025 من صفحات التقرير إلى نقاش يقوده الشباب ويشارك فيه باحثون وممثلون عن المجتمع المدني وأصحاب مصلحة.
بدأنا بقراءة إقليمية لواقع المياه، ثم عقدنا ندوة عبر الإنترنت وحوارات وطنية، من بينها حوار في الأردن حول سؤال بسيط وصعب: من يتحمل كلفة الندرة المائية؟
لا أقدم هذه التجربة باعتبارها قصة نجاح مكتملة. فالوصول إلى صانع قرار ليس إنجازًا بحد ذاته، والفعالية الجيدة لا تعني أن تغييرًا قد حدث في السياسة، كما أن إصدار التوصيات ليس نهاية العمل.
فالمناصرة الحقيقية تبدأ عندما نعود في اليوم التالي لنسأل: ماذا نُفِّذ؟ وما الذي تعطّل؟ وما خطوتنا التالية؟
قيمة المشروع ستظهر لاحقًا في قدرتنا على تحويل النقاش إلى مطالب محددة، وإيصالها إلى المؤسسات المعنية، ثم متابعة ما تحقق منها حتى بعد انتهاء التمويل. هذا هو الاختبار الحقيقي.
ماذا يعني الانتقال من التوعية إلى التأثير؟
من السهل نسبيًا تنظيم فعالية ناجحة أو إطلاق حملة تلقى تفاعلًا؛ لكن الأهم هو ما يبقى بعدها، ومن يتولى المتابعة.
لذلك يحتاج الشباب أولًا إلى معرفة تمنحهم القدرة على النقاش، لا إلى مزيد من المعلومات العامة عن خطورة الأزمة. عليهم أن يقرأوا البيانات والسياسات والموازنات والتشريعات، وأن يفهموا الجهة التي تملك القرار.
فالحديث عن «العدالة المائية» مهم، لكنه يظل واسعًا إلى أن يتحول إلى مطلب يمكن تتبعه: نشر بيانات التزويد وجودة المياه، وتحسين آليات الشكاوى، وإشراك المجتمعات المتأثرة في التخطيط، أو توجيه الموارد إلى المناطق الأقل خدمة.
ولا أرى الرصد المجتمعي والحملات الرقمية والسرد القصصي أدوات منفصلة. يمكن أن يبدأ المسار بتوثيق تفاوت التزويد أو الكلفة في حي أو قرية، ثم تحليل ما جُمع وربطه بالسياسة العامة.
تأتي القصة الإنسانية لتُظهر أثر الأرقام من دون استغلال معاناة الناس، وتساعد الحملة الرقمية في جمع التأييد حول مطلب محدد. وبعدها يجب أن تنتقل الأدلة إلى الجهة التي تستطيع تغيير القرار.
المنشور الذي يحقق انتشارًا واسعًا قد يكون مفيدًا، لكنه ليس هدفًا نهائيًا.
مسؤولية المؤسسات ودعم الشبكات الشبابية
هنا لا تقع المسؤولية على الشباب فقط، فلا يصح أن نطالبهم بإنتاج معرفة بينما تبقى البيانات مغلقة، أو ندعوهم إلى المشاركة بعد إقرار البرامج والموازنات.
فعلى المؤسسات أن توضح ماذا فعلت بالمقترحات التي تلقتها، لا أن تكتفي بإثبات أن جلسة تشاورية عُقدت.
كذلك تحتاج الشبكات الشبابية إلى تمويل مرن من الجهات المانحة ومنظمات المجتمع المدني، وإلى فرص لتطبيق ما تعلمته، وشراكات تتجاوز عمر المشروع؛ لا إلى تدريب جديد في كل مرة.
تحالفات أقرب إلى الناس
نحن اليوم بحاجة إلى تحالفات تجمع الشباب بالباحثين والمنظمات البيئية والحقوقية والإعلام والمجتمعات المتأثرة.
والشراكة مع الحركات والمجموعات النسوية ليست إضافة تجميلية؛ فالنساء يعرفن من واقع الحياة اليومية كيف تتوزع أعباء انقطاع المياه داخل الأسرة والمجتمع، ويجب أن يكنّ شريكات في القيادة وصياغة المطالب، لا أن يُستدعين فقط بوصفهن فئة متأثرة.
فالصوت الفردي لن يصل بعيدًا مهما كان واضحًا.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز للشبكات أن تتحدث باسم سكان الأرياف والمخيمات والمناطق الطرفية من بعيد.
دورها أن تعمل معهم: توثق ما يحدث، وتحمي كرامة أصحاب القصص، وتتيح لهم المشاركة في تحديد الأولويات.
عدد الأعضاء أو حجم الحضور الرقمي لا يكشف قوة الشبكة بقدر ما يكشفها ارتباطها بالناس وقدرتها على تحويل تجاربهم إلى مطالب جماعية تستمر متابعتها.
نحو عقد مائي عادل
بعد سنتين من الكتابة عن المشاركة الشبابية، أصبحت أكثر اقتناعًا بأن أصوات الشباب موجودة، لكن العقبة تكمن في الطريق بين الصوت والقرار.
هذا الطريق يحتاج معرفة وتنظيمًا ومتابعة من الشباب، ويحتاج من المؤسسات بيانات متاحة ومساحات مشاركة تبدأ قبل حسم الأولويات، واستجابة يمكن مساءلتها.
لا ندّعي أن مشروعًا شبابيًا واحدًا سيغير السياسات المائية في المنطقة. لكن يمكنه أن يفتح مسارًا، وأن يجمع ما تقوله التقارير بما يعيشه الناس، ثم يواصل السؤال بعد انتهاء النشاط.
بالنسبة إلينا، «نحو عقد مائي عادل» هو بداية التزام بألا نتوقف عند وصف الأزمة.
مستقبل المياه تحدده عدالة القرارات التي نتخذها اليوم، لا وفرة الموارد أو ندرتها.
ولهذا علينا أن نسأل دائمًا: لمن تصل المياه؟ وبأي كلفة؟ ومن يقرر؟ ومن يُساءل حين لا تصل؟
عندها فقط يغادر الشباب مقاعد الحضور، ويصبح لهم موقع حقيقي في التأثير.
المراجع
احدث المنشورات