من بيليم إلى COP31: هل تنتقل معركة المناخ من التفاوض على الأهداف إلى التفاوض على التنفيذ؟ - حبيب معلوف
من بيليم إلى COP31: هل تنتقل معركة المناخ من التفاوض على الأهداف إلى التفاوض على التنفيذ؟
حبيب معلوف
من التفاوض على الأهداف إلى سؤال التنفيذ
لم تعد مفاوضات المناخ الدولية تدور فقط حول مقدار ما ينبغي خفضه من انبعاثات الغازات الدفيئة، ولا حول مدى الالتزام بهدف حصر الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية. فبعد أكثر من عقد على اتفاق باريس، انتقلت المواجهة إلى سؤال أكثر تعقيداً: كيف يمكن تنفيذ التعهدات؟ ومن يتحمل كلفة التنفيذ؟ ولماذا اصبحت المبادرات خارج آلية التفاوض التي تديرها الأمم المتحدة أكثر دينامية من الآليات التقليدية لاجتماعات الدول الاطراف؟
هذا التحول هو ما تحاول البرازيل التقاطه من خلال مبادرة Belém Mission 1.5، التي أطلقتها بصفتها رئيسة مؤتمر الأطراف الثلاثين (COP30). في ظاهرها، تبدو المبادرة عملية طوعية لدعم تنفيذ المساهمات المحددة وطنياً (NDCs) وخطط التكيف الوطنية (NAPs). لكنها في جوهرها تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من النقاش الدولي حول العلاقة بين الطموح المناخي ووسائل التنفيذ، وحول الدور الذي يمكن أن تلعبه رئاسة المؤتمر في توجيه العمل المناخي العالمي.
«فبعد أكثر من عقد على اتفاق باريس، انتقلت المواجهة إلى سؤال أكثر تعقيداً: كيف يمكن تنفيذ التعهدات؟ ومن يتحمل كلفة التنفيذ؟»
الموقف العربي من مبادرة بيليم
تؤكد المجموعة التفاوضية العربية في ورقة أنجزتها مؤخرا بهذا الخصوص، أن المبادرة يجب أن تبقى عملية طوعية هدفها إزالة العقبات أمام التنفيذ، وألا تتحول إلى مسار تفاوضي جديد أو إلى آلية لتقييم مستوى طموح الدول أو مساءلتها. ويعكس هذا الموقف إدراكاً مبكراً بأن المبادرات السياسية التي تطلقها رئاسات مؤتمرات الأطراف قد تكتسب مع مرور الوقت ثقلاً سياسياً يتجاوز طبيعتها غير الملزمة.
في الواقع، لا يأتي إطلاق "بعثة بيليم 1.5" من فراغ. فمنذ إقرار "الحصيلة العالمية" في COP28، ثم الاتفاق على الهدف الكمي الجماعي الجديد للتمويل المناخي في COP29، بات واضحاً أن التحدي الأكبر لم يعد يتمثل في صياغة أهداف جديدة، بل في تحويل الالتزامات إلى سياسات واستثمارات وإجراءات قابلة للتنفيذ. ومن هنا اختارت البرازيل أن تجعل "التمكين" (Enablement) عنواناً لمبادرتها، في محاولة للانتقال من مرحلة التعهدات إلى مرحلة التنفيذ.
التمكين بين الطموح ووسائل التنفيذ
غير أن مفهوم "التمكين" نفسه ليس مفهوماً محايداً. فبالنسبة للدول الصناعية، قد يعني تحسين السياسات الوطنية، وتسريع التحول في الطاقة، ورفع مستوى الطموح. أما بالنسبة لمعظم الدول النامية، وفي مقدمتها الدول العربية، فإن التمكين يبدأ من توفير التمويل، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، واحترام مبدأ المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة، والمسؤولية التاريخية للبلدان المتقدمة، وعدم تحميل الدول النامية أعباء إضافية دون توفير وسائل التنفيذ اللازمة. ولهذا تعيد ورقة موقف المجموعة العربية التأكيد مراراً على أن العدالة المناخية ليست شعاراً سياسياً، بل شرط أساسي لنجاح أي مسار تنفيذي.
وتكشف الورقة عن رؤية عربية متكاملة تتجاوز مجرد التعليق على المبادرة. فهي تربط بين هدف 1.5 درجة مئوية والتنمية المستدامة، والقضاء على الفقر، والتمويل، والتكيف، ونقل التكنولوجيا، والسيادة الوطنية. كما ترفض أي مقاربة تجعل التخفيف أولوية مطلقة على حساب التكيف، مؤكدة أن الدول العربية تقع ضمن أكثر مناطق العالم تعرضاً لارتفاع درجات الحرارة وشح المياه والضغوط على الأمن الغذائي، وأن احتياجات التكيف ستزداد مع كل ارتفاع إضافي في متوسط الحرارة العالمية.
الطاقة والحياد التكنولوجي
وفي ملف الطاقة، تقدم الورقة موقفاً واضحاً يقوم على رفض حصر الحلول في تقنية أو مسار واحد. فهي تدعو إلى تبني نهج "محايد تكنولوجياً"، يشمل الطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة، واحتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، والهيدروجين منخفض الانبعاثات، وغيرها من الخيارات، مع التأكيد أن لكل دولة الحق في اختيار المزيج الذي يتناسب مع ظروفها الوطنية. ومن الواضح أن هذا الطرح يعكس أيضاً دفاعاً عن مصالح الدول المنتجة للوقود الأحفوري، لكنه يقدم ذلك في إطار خطاب يربط أمن الطاقة بالتنمية والعدالة المناخية. هذا الموقف ينسجم كثيرا مع أوراق مواقف المجتمع المدني في السنوات الثلاثة الأخيرة مع بعض التمايزات، اذ لا يؤيد المجتمع المدني صرف المبالغ الضخمة على تقنيات سحب الكربون وتخزينه مطالبة باستبداله بتقنيات اقرب الطبيعة مع المطالبة بتوطين التكنولوجيا الصديقة للبيئة وان تكون نقل هذه التكنولوجيا بمثابة تعويض من البلدان المتقدمة الى البلدان النامية.
الإجراءات المناخية الأحادية والتجارة
كما تتشارك موقفها مع مجموعة التفاوض العربية التي تمنح أهمية خاصة للآثار الاقتصادية للإجراءات المناخية الأحادية، مثل ضرائب الكربون على الحدود والقيود التجارية المرتبطة بالمناخ، معتبرة أن هذه السياسات قد تتحول إلى أدوات حمائية تلحق أضراراً بالدول النامية وتقوض الثقة في النظام متعدد الأطراف. وهنا تنتقل المفاوضات المناخية من نقاش بيئي بحت إلى نقاش اقتصادي وتجاري يمس مستقبل العلاقات الدولية.
COP31 والاختبار السياسي الأول
لكن السؤال الأهم لم يعد يتعلق بما حدث في بيليم، بل بما سيحدث بعده. فإذا خرج COP30 بإطلاق مبادرة "بعثة بيليم 1.5"، فإن COP31 سيكون أول اختبار سياسي حقيقي لها. فهناك من سيطالب بأن تتحول إلى منصة دائمة لمتابعة التنفيذ وربما لتقييم مستوى الطموح، بينما ستسعى الدول النامية إلى تثبيت طبيعتها الطوعية وحصر دورها في دعم التنفيذ وتوفير وسائل التمكين.
ومن هنا قد يصبح COP31 ساحة لنقاش وصراع جديد يختلف عن النقاشات التي سادت خلال العقد الماضي. فلن يكون السؤال الأساسي: هل نتمسك بهدف 1.5 درجة؟ بل: كيف يمكن الإبقاء على هذا الهدف من دون الإخلال بمبادئ العدالة، ومن يدفع كلفة الوصول إليه؟ وإذا كان العالم قد نجح في الاتفاق على الأهداف، فإنه لم ينجح بعد في الاتفاق على توزيع الأعباء والموارد اللازمة لتحقيقها.
هل تتحول المبادرة إلى مرجعية سياسية؟
لهذا يمكن النظر إلى مبادرة Belém Mission 1.5 باعتبارها بداية فصل جديد في تاريخ مفاوضات المناخ. فهي قد تبقى مجرد منصة طوعية لتبادل الخبرات، كما ترغب المجموعة العربية، وقد تتطور تدريجياً إلى مرجعية سياسية تؤثر في تقييم الأداء المناخي للدول، وهو ما تتحفظ عليه كثير من الدول النامية.
هوية المرحلة المقبلة من نظام المناخ الدولي
وفي جميع الأحوال، يبدو أن مؤتمر COP31 لن يكون مجرد محطة تالية بعد بيليم، بل قد يكون المؤتمر الذي تتحدد فيه هوية المرحلة المقبلة من نظام المناخ الدولي. فإذا كانت السنوات الماضية قد شهدت صراعاً حول الأهداف، فإن السنوات القادمة قد تشهد صراعاً أكثر تعقيداً حول التنفيذ، والتمويل، والتكنولوجيا، والعدالة، وهي القضايا التي ستحدد في النهاية ما إذا كان هدف 1.5 درجة سيظل هدفاً قابلاً للتحقيق، أم مجرد سقف طموح يبتعد عن الواقع مع مرور الوقت، مع العلم أن هناك من يقول اننا وصلنا العام الماضي الى الدرجة والنصف وان الوقت قد فات فعلا للعودة الى الوراء، وان ايقاع الكوارث المناخية المتصاعدة سنة بعد اخرى سيفرض نفسه لإعادة النظر بكل قواعد التفاوض، نحو البحث بتغيير النموذج الحضاري المسيطر والمتسبب بالكوارث .
احدث المنشورات