Jul 27, 2026
الحق في المياه في ظل تحولات الرأسمالية العالمية - أديب نعمة
اديب نعمه
خبير ومستشار في التنمية والسياسات الاجتماعية ومكافحة الفقر

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
اديب نعمه

الحق في المياه في ظل تحولات الرأسمالية العالمية 

أديب نعمه

لا يجادل أحد في قوة الترابط السببي بين تطورات وظواهر يبدو أنها تنتمي إلى حقول متباعدة. ويشكّل الحق في المياه أحد الأمثلة الأكثر وضوحًا على ذلك.

تناولت مداخلتي التي قدمتها عند إطلاق تقرير الراصد العربي، في الأسبوع الأول من تموز/يوليو 2026 في عمّان، ثلاث أفكار تُظهر هذا الترابط: الفكرة الأولى تتطرق إلى تحولات الرأسمالية العالمية وصيغة العولمة؛ والثانية إلى مقاربة الشأن البيئي عمومًا، ومن ضمنه التغير المناخي؛ والثالثة إلى الحق في المياه تحديدًا.

«المياه من حيث هي حق مصدر للحضارة والتواصل والتفاعل بين الناس والمشاركة والتضامن. أما المياه من حيث هي مورد وبضاعة، فيمكن أن تشكل أساسًا للامساواة والحرمان والنزاع.»

أولًا: تحولات الرأسمالية العالمية والعولمة

نعيش راهنًا عملية تحول مزدوجة على المستوى العالمي؛ وجهها الأول هو التحول في طبيعة النظام الاقتصادي العالمي الذي هيمن عليه المذهب النيوليبرالي منذ مطلع الثمانينيات، ووجهها الثاني هو التحول في طبيعة نظام الحوكمة العالمي وأداته الرئيسية، أي الأمم المتحدة، الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية.

يتضمن هذا التحول:

تجاوز أو تفكيك النموذج النيوليبرالي الذي تكوّن اعتبارًا من مطلع الثمانينيات، والانتقال إلى رأسمالية عالمية كولونيالية متوحشة.
إعادة صياغة منظومة الحوكمة العالمية على أساس هيمنة القوى الأعظم، الممثلة في دولة واحدة هي الولايات المتحدة الأميركية، والسعي إلى إعادة صياغة النظام العالمي وفق صيغة إمبراطورية قائمة على التفوق العسكري وغير العسكري الأميركي.

فكيف نقرأ الديناميات العميقة للتحولات العالمية والإقليمية؟

نشير أولًا إلى أن العولمة النيوليبرالية، في صيغتها التي تبلورت اعتبارًا من مطلع الثمانينيات، بلغت حدها التاريخي اليوم، ودخلت في أزمة تفككها اعتبارًا من أزمة عامي 2007 و2008.

وصحيح أن نضال الشعوب ومنظمات المجتمع المدني ساهم في مواجهة هذه العولمة على امتداد عقود، وربما في إضعافها، إلا أن العامل الحاسم الذي أطلق رصاصة الرحمة عليها كان أبطالها المؤسسين أنفسهم، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية.

ويرتبط ذلك، بالدرجة الأولى، بنشوء العملاق الاقتصادي الصيني وتوسعه التجاري غير المسبوق على المستوى العالمي، مستفيدًا من العولمة النيوليبرالية نفسها.

مساران اقتصادي وجيوسياسي

أوصلنا مساران، أحدهما اقتصادي والآخر سياسي وجيوسياسي، إلى اللحظة الراهنة:

المسار الأول – الاقتصادي: تحولت الرأسمالية العالمية في دول المركز إلى رأسمالية باتريمونيالية، بحسب توماس بيكيتي، أو «رأسمالية المحدودية» بحسب آرنو أوران، وإلى رأسمالية المنصات والتكنو-إقطاعية بحسب باحثين آخرين، من بينهم يانيس فاروفاكيس. وترافق ذلك مع الحروب والعنف، وتعزّز بنظام التفاهة. وكانت البداية من تفكيك الضوابط في سوق العمل خلال عهد النيوليبرالية، وصولًا إلى تفكيك النظام الدولي السابق، والانتهاك المعمم للقانون الدولي، والتحول إلى التوحش المتناسب مع تحولات الرأسمالية اقتصاديًا.
المسار الثاني – السياسي والجيوسياسي: يقوم المشروع الذي يسعى اليمين الأميركي المتطرف إلى فرضه على استبدال النظام متعدد الأطراف، القائم على توازنات ما بعد الحرب العالمية الثانية، بنظام إدارة عالمي أحادي القطب له شكل إمبراطورية عالمية قائمة على القوة والحرب والاستحواذ على الموارد، وعلى قيادة العالم من قبل تحالف القوى العظمى وأصحاب المليارات والشركات العالمية العملاقة.

وحسب رأيي، فإن هذا المشروع محكوم عليه بالفشل بالمعنى التاريخي، وقد بدأت علامات أزمته وفشله بالظهور، وإن كان ذلك بكلفة هائلة على البشرية والشعوب والكوكب.

ثانيًا: كيف نتعامل مع الشأن البيئي والتغير المناخي؟

لا تعترف النظرة السائدة في دوائر القرار اليمينية والمحافظة بوجود قضية بيئية، بل تنظر إليها بوصفها قضية موارد محدودة يجري التنافس على الاستحواذ عليها باستخدام العنف والحرب.

وهذه نزعة عضوية لصيقة بالنيوليبرالية السابقة، وهي مستمرة في صيغتها الإمبراطورية المتوحشة المستجدة.

لذلك، ليس غريبًا أن يكون الصدام الأول والخروج الأول على المنظومة القانونية العالمية قد حصلا في مجال البيئة، من خلال الانسحاب من الاتفاقيات البيئية الدولية، لأن الالتزام بها يُنظر إليه بوصفه عاملًا يقوض الدور القيادي لهذه الدولة أو تلك في الاقتصاد العالمي.

بالنسبة إلينا، هناك قضية بيئية حقيقية، وأبرز عناصرها من منظورنا التنموي والحقوقي هي:

الاستدامة هي توسيع لمفهوم العدالة زمنيًا لتشمل العدالة بين الأجيال، ولذلك فهي قضية عدالة أولًا.
التدهور البيئي والتغير المناخي مسؤولية تاريخية تراكمية للدول الصناعية المتقدمة منذ بدء الثورة الصناعية، وهي مسؤولية لا تزال مستمرة راهنًا، مع انضمام دول صناعية أخرى إليها مثل الصين وغيرها.
القضية البيئية مرتبطة بالحق في التنمية وبسيادة الدول على مواردها ضمن نطاق المسؤولية الكونية المشتركة.
الأزمة البيئية أحد أكثر مظاهر اللامساواة والظلم فجاجة في عالمنا المعاصر، كما أنها من أهم آليات إفقار الشعوب واستنفاد ثرواتها بالقوة الاقتصادية والعسكرية.

العدالة البيئية أوسع من العدالة المناخية

نسعى إلى العدالة البيئية كما نسعى إلى العدالة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقانونية وغيرها.

ولا نختزل العدالة البيئية في العدالة المناخية بمعناها الضيق، لأن العدالة المناخية مكوّن من مكونات العدالة البيئية الشاملة، وليست بديلًا عنها.

وفي ما يخص أزمة التغير المناخي، وإذا أردنا تكثيف مضمون الخيارات الكبرى باستخدام الأجندات العالمية ومفرداتها، وآخرها أجندة 2030، لقلنا إن تحقيق الهدف الثالث عشر من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بالعمل المناخي، غير قابل للتحقيق من دون كبح الآليات التي تنتج التغير المناخي.

ويعني ذلك أنه لا يمكن تحقيق الهدف الثالث عشر من دون تحقيق الهدف الثاني عشر، المتعلق بالتحول إلى أنماط إنتاج واستهلاك مستدامة.

أما ما تحاول دوائر القرار العالمية القيام به، بما في ذلك ضمن سلسلة مؤتمرات الأطراف بشأن المناخ (COP)، فهو الالتفاف على الهدف الثاني عشر، وتحويل المسألة البيئية والتغير المناخي إلى قضية تقنيات وتمويل ومسكنات غير نافعة.

ثالثًا: كيف ننظر إلى مسألة الحق في المياه؟

ننظر إلى الحق في المياه انطلاقًا من الاعتبارات التالية:

أولًا: باعتباره حقًا من حقوق الإنسان يجب تحريره من منطق الربح التجاري والخصخصة؛ فالمياه ليست مجرد مورد أو بضاعة.
ثانيًا: يجب النظر إلى المياه بشكل مركب وشامل في آن واحد؛ فالمياه هي الحياة، ونعني بذلك حياة الإنسان فردًا ومجتمعًا، وحياة الكوكب.
ثالثًا: في الممارسة وصنع السياسات، يُعد وضع قضية الحق في المياه، ووضع الإنسان والمجتمع في محور هذه السياسات، أمرًا أساسيًا. وهو يظهر الترابط العضوي مع كل ما يتعلق بالحياة البيولوجية والصحية والنظافة الشخصية، والحياة الاجتماعية بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ضمن النطاقات المحلية والوطنية والدولية.

المياه بين الحق والسلعة

المياه من حيث هي حق هي مصدر للحضارة والتواصل والتفاعل بين الناس والمشاركة والتضامن.

أما المياه من حيث هي مورد أو بضاعة، فيمكن أن تشكل أساسًا لسياسات وممارسات تعزز اللامساواة والحرمان، أو أن تصبح شرارة لنزاع أو حروب.

إلا أن مسؤولية الاختيار بين هذين المسارين تقع، أولًا وأخيرًا، على أصحاب القرار.

أما مقاومة الخيارات الخاطئة، فهي مسؤوليتنا كشعوب وكمجتمع مدني، مع الناس ومن أجلهم.

بيروت، 24 تموز/يوليو 2026

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب وحده، ولا تعكس بالضرورة آراء أو مواقف شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية.
احدث المنشورات
Jul 27, 2026
تسليح المياه في سوريا: الصراع والسيادة والأمن المائي - صفوان داؤد
Jul 27, 2026
التحولات الإقليمية والاقتصاد السياسي للتنمية: العدالة الاجتماعية شرط للاستقرار في المنطقة العربية - زياد عبد الصمد