حملة "راجعات":
او التعافي كفعل سياسي مقاوم – كوثر عباس
مدرستي الأولى
وبيتي الآمن، هكذا كنت دائمًا أشعر داخل الجمعية
التونسية للنساء الديمقراطيات. كنت قد غادرت شمال القارة إلى جنوبها مند عقود لكنني قاومت الغياب والتغييب، واصبحت افهم الحدود
والمواطنة والاندماج خارج
السياقات المعرفية المهيمنة التي نشأت ونشانا عليها .كل ذلك الاصرار على عدم مغادرة التاريخ و الاصرار
علي مقاومة "
الدساترة
والخوا
نجية" : تلك الرجعيات التي حاولت ضرب
المشروع الذي رعيناه بماء العين .برغم كل ذلك أُغلقت أبواب الجمعية قسرًا وقهرًا و جاء خبر إيقاف نشاطنا موجعا اقسي
الوجع .رصصنا
الصفوف وأطلقنا حملة
"راجعات"، هكذا بكل البديهية وبكل الثبات، راجعات لأننا ذاكرة
حيّة اسست لفضاء إبستيمي وسياسي، ولأنه علينا
ان نواصل كتابة
تاريخ النساء من خلال اصوات النساء، و علينا حفظ هذا الارث
الحي الذي تشكّل عبر عقود من النضال.
لم يكن قرار المنع مجرد إجراء إداريً عابر، بل هو جزء من مشهد سياسي أوسع يعكس تضييقًا
متزايدًا على المجتمع المدني وإعادة إنتاج للسلطوية في تونس، في استهداف مباشر للأصوات
النقدية التي تربط بين قضية النساء وقضية الحرية والديمقراطية.
نحن لا نستهلك المعرفة نحن ننتجها ونرعاها
منذ فجر النسوية الى
ساندرا هاردينغ ،دونا هاراواي، بيتي فريدان وصولا الى شيماماندا نكوزي ونوال السعداوي
اكدت النسويات في العالم على أن المعرفة
ليست محايدة ولا تُنتَج من فراغ، بل هي متموضعة ومرتبطة بالواقع الاجتماعي
والجندري، أي أنها تعكس علاقات القوة والهيمنة التي تحدد من يملك الحق في الفعل ومن
يُقصى إلى الهامش. هذه المقاربة قلبت الأسس التقليدية لإنتاج الفكر، فلم يعد الصوت الأكاديمي الذكوري هو
المرجع الوحيد، وأصبحت
التجارب اليومية للنساء، أجسادهن، وذاكرتهن الجماعية ايضا مصدرًا شرعيًا للمعرفة.
كانت الجمعية
التونسية للنساء الديمقراطيات قد جسّدت ولاتزال هذا المنهج بشكل ملموس، لم تكتفِ بالدفاع عن حقوق
النساء على مستوي الخطاب السياسي والمنظومة القانونية، فحولت شهادات النساء ضحايا العنف إلى
"معرفة واقعية ونسوية" تنطلق من الجسد والذاكرة والتجربة اليومية، نحو صياغة مغايرة لمفاهيم العدالة والحرية والكرامة. لذلك لايزال مركز الاستقبال للنساء ضحايا العنف
يعيد تشكيل قصص
الألم والمعاناة إلى أدوات تحليل اجتماعي في خطابنا النسوي الذي يفضح العنف البنيوي واستمراريته
احيانا برعاية مؤسسات الدولة.
هذا الإرث
المعرفي الذي يمثل مراكمة
توثيقية لتاريخ الجمعية والحركة
النسوية بتونس، هو ايضا جزء من مشروع إبستيمي نسوي عالمي يسعى إلى إنتاج معرفة
بديلة تقاوم اشكال وبنى الهيمنة، وذاكرة جماعية نسوية ترفض شرعنة سلطة النموذج الأبوي الذي يحتكر الحقيقة ويقزم تجارب كل من هم على الهامش.
مركز الاستقبال فضاءا ابستيميا لإعادة انتاج المعني
يحول مركز الاستقبال
قصص النساء إلى نصوص نقدية تكشف حقيقة البنى
الاجتماعية والسياسية التي تعيد إنتاج العنف وهي نفسها النصوص التي
نصوغ من خلالاها خطابنا
النسوي للمطالبة بالعدالة والكرامة، والمؤشرات
التي تفضح تواطؤ
المؤسسات في استمرار
التمييز
هذا المسار في
التدرج من
التجربة الشخصية إلى المعرفة الجماعية هو جوهر فكرنا النسوي، نأمل من خلاله رسكلة الألم وتحويله الي فعل سياسي القادرعلى مساءلة السلطة من منظور
نسوي مقاوم للباطرياركية وكل اشكال الامبريالية. وما يحدث في تونس اليوم لا يمكن عزله عن السياق
الأوسع في الجنوب العالمي، حيث تواجه الحركات النسوية في إفريقيا وأمريكا
اللاتينية وآسيا تضييقًا مشابهًا، يعكس مدي خطورة ديناميكيات السلطة في سعيها إلى تقييد الفضاء المدني واخضاع كل
قوي المقاومة وكل بدائل ومشاريع التحرر.
ان التجربة
التونسية، بما تحمله من إرث نضالي نسوي، تتقاطع حتما مع تجارب أخرى في الجنوب العالمي، تكتب النساء
من خلالها سردياتهن
الجماعية ويقدمن خرائط
بديلة للزمن والواقع السياسي،
تتحدي
النسيان وتُعيد تشكيل فعل المقاومة من خارج كل اشكال الهيمنة الفكرية والكولونيالية .ما يُهدَّدنا في تونس ليس مجرد غلق جمعية أوقف نشاط منظمات
المجتمع المدني، بل
هو معركة هيمنة أوسع واكثر شمولية: معركة النساء في الجنوب العالمي من
أجل الحق في اعادة بناء أسس العدالة والحرية تحديا لأنماط الهيمنة المتجددة التي تسعى إلى محو المعرفة المقاومة البديلة اداة للتغيير الجذري.
وضعتنا تجربة إغلاق الجمعية أمام تحدي الثبات على ما جبلنا عليه واختبرتنا في أنفسنا وفي ايماننا بما يجمعنا وان اختلفت السبل وان اجتمع علينا الكل: راجعات صامدات ضد كل الرجعيات.
احدث المنشورات
بين الحروب والأزمات: قراءة في المشهد العربي 2025 ومسار التنمية المستقبلية - زياد عبد الصمد